السيد عباس علي الموسوي
499
شرح نهج البلاغة
ما زيّن ، يريد به زيادة النكاية والشماتة ، يريد أن يجعلها حسرة في قلبه فينكر تزيينه للمعصية وتحسينه لها في عين الإنسان ثم لا يقتصر على ذلك بل يروح يعظم عليه المعصية ويقول له إن اللّه لا يغفرها لك وليس لك توبة منها حتى تزداد حسرته ويقوى كمده إنه يقوم اليوم بعد وقوعها منه بدور المحذّر والمخّوف من عاقبتها بعد أن سبق منه الأمان من عقابها والنجاة من عذابها وهذا كما قال تعالى : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عقَبِيَهِْ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ، إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ . . . ( أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام وشغف الأستار ) ذكر عليه السلام حال الإنسان وتقلباته وأطوار حياته وعقبهّ بذكر نعمه عليه وما أعطاه له وبيّن كفره بالنعم وإنكاره للجميل وتنكبه عن الطريق ثم كيف أدركه الموت في تلك الحالات وفصّل ما يلاقيه وما يمر عليه واذكر هذا الإنسان الذي أنشأه اللّه وكونه في ظلمات الأرحام حيث ينعدم النور ويدوم الديجور وهناك ظلمة الرحم وظلمة المشيمة التي تلف الجنين قال تعالى : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ وهي ظلمة الرحم والبطن والمشيمة . . . ( نطفة دهاقا وعلقة محاقا وجنينا ) بيّن عليه السلام المرحلة الأولى من مراحل تكوين هذا الإنسان إنه ابتدأ من نطفة حقيرة اندفعت من الرجل إلى رحم المرأة وبعد استقرارها ونموها تحولت إلى علقة أي قطعة من الدم لم ترتسم ملامحها ولم تستبين معالمها ثم بعد ذلك تكتمل الصورة وتصبح جنينا في صورة آدمي كامل التكوين . . . قال سبحانه وتعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جعَلَنْاهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أنَشْأَنْاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ . . . . . ( وراضعا ووليدا ويافعا ) وهذه مرحلة أخرى من مراحل حياة الإنسان ، مرحلة نزوله إلى الدنيا حيث يسقط طالبا الرضاع مستصرخا ثدي أمه يلتقطه راضعا حليبها وبعد ذلك يفطم عنه فيصبح وليدا يدرج بمفرده ويستقل في مشيته ثم بعد ذلك يصبح يافعا إذا بلغ الحلم أو كاد لأنه يرتفع عن أحواله السابقة ، وهذه حالات يمر فيها الإنسان تحتاج إلى عناية وكلفة وإلى تربية وتهذيب . . . وهذه كلها حسب حالاته المادية ونشأته التكوينية أما حالاته المعنوية فقد أشار إليها بقوله . . .